فخر الدين الرازي

67

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

النظير ، أو المحتاج إليه القليل الوجود ، يقال عز الشيء إذا قل وجوده مع أنه محتاج إليه ، فالنصر كان محتاجا إليه ومثله لم يوجد وهو أخذ بيت اللّه من الكفار المتمكنين فيه من غير عدد . أما المسألة المعنوية : وهي أن اللّه تعالى لما قال : لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ أبرز الفاعل وهو اللّه ، ثم عطف عليه بقوله وَيُتِمَّ وبقوله وَيَهْدِيَكَ ولم يذكر لفظ اللّه على الوجه الحسن في الكلام ، وهو أن الأفعال الكثيرة إذا صدرت من فاعل يظهر اسمه في الفعل الأول ، ولا يظهر فيما بعده تقول : جاء زيد وتكلم ، وقام وراح ، ولا تقول : جاء زيد ، وقعد زيد اختصارا للكلام بالاقتصار على الأول ، وهاهنا لم يقل وينصرك نصرا ، بل أعاد لفظ اللّه ، فنقول هذا إرشاد إلى طريق النصر ، ولهذا قلما ذكر اللّه النصر من غير إضافة ، فقال تعالى : بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ [ الروم : 5 ] ولم يقل بالنصر ينصر ، وقال : هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ [ الأنفال : 62 ] ولم يقل بالنصر ، وقال : إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [ النصر : 1 ] وقال : نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ [ الصف : 13 ] ولم يقل نصر وفتح ، وقال : وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ * [ الأنفال : 10 ] وهذا أدل الآيات على مطلوبنا ، وتحقيقه هو أن النصر بالصبر ، والصبر باللّه ، قال تعالى : وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ [ النحل : 127 ] وذلك لأن الصبر سكون القلب واطمئنانه ، وذلك بذكر اللّه ، كما قال تعالى : أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [ الرعد : 28 ] فلما قال هاهنا وينصرك اللّه ، أظهر لفظ اللّه ذكرا للتعليم أن بذكر اللّه يحصل اطمئنان القلوب ، وبه يحصل الصبر ، وبه يتحقق النصر ، وهاهنا مسألة أخرى وهو أن اللّه تعالى قال : إِنَّا فَتَحْنا ثم قال : لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ولم يقل إنا فتحنا لنغفر لك تعظيما لأمر الفتح ، وذلك لأن المغفرة وإن كانت عظيمة لكنها عامة لقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [ الزمر : 53 ] وقال : وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ * [ النساء : 48 ] ولئن قلنا بأن المراد من المغفرة في حق النبي عليه السلام العصمة ، فذلك لم يختص بنبينا ، بل غيره من الرسل كان معصوما ، وإتمام / النعمة كذلك ، قال اللّه تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [ المائدة : 3 ] وقال : يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ * [ البقرة : 47 ] وكذلك الهداية قال اللّه تعالى : يَهْدِي مَنْ يَشاءُ * « 1 » [ القصص : 56 ] فعمم ، وكذلك النصر قال اللّه تعالى : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ [ الصافات : 171 ، 172 ] وأما الفتح فلم يكن لأحد غير النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فعظمه بقوله تعالى : إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً وفيه التعظيم من وجهين أحدهما : إنا وثانيهما : لك أي لأجلك على وجه المنة . ثم قال تعالى : [ سورة الفتح ( 48 ) : آية 4 ] هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( 4 ) لما قال تعالى : وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ [ الفتح : 3 ] بين وجه النصر ، وذلك لأن اللّه تعالى قد ينصر رسله بصيحة يهلك بها أعداءهم ، أو رجفة تحكم عليهم بالفناء ، أو جند يرسله من السماء ، أو نصر وقوة وثبات قلب يرزق المؤمنين به ، ليكون لهم بذلك الثواب الجزيل فقال : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ أي تحقيقا للنصر ، وفي السكينة وجوه أحدها : هو السكون الثاني : الوقار للّه ولرسول اللّه وهو من السكون الثالث : اليقين والكل من السكون وفيه مسائل :

--> ( 1 ) في تفسير الرازي المطبوع ( يهدي إليه من يشاء ) وهو خطأ وما أثبتناه هو الصواب من المعجم المفهرس .